الغزالي

22

إحياء علوم الدين

وإن لم يشتد حرصه . فإن شدة الحرص ليست هي السبب لوصول الأرزاق . بل ينبغي أن يكون واثقا بوعد الله تعالى ، إذ قال عز وجل * ( وما من دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها ) * « 1 » وذلك لأن الشيطان يعده الفقر ، ويأمره بالفحشاء ، ويقول إن لم تحرص على الجمع والادخار ، فربما تمرض ، وربما تعجز ، وتحتاج إلى احتمال الذل في السؤال . فلا يزال طول العمر يتعبه في الطلب ، خوفا من التعب ، ويضحك عليه في احتمال التعب نقد مع الغفلة عن الله ، لتوهم تعب في ثاني الحال ، وربما لا يكون . وفي مثله قيل ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقر وقد دخل ابنا خالد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهما [ 1 ] « لا تيأسا من الرّزق ما تهزهزت رؤسكما فإنّ الإنسان تلده أمّه أحمر ليس عليه قشر ثمّ يرزقه الله تعالى » ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن مسعود وهو حزين ، فقال له [ 2 ] « لا تكثر همّك ما يقدّر يكن وما نرزق يأتك » وقال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « ألا أيّها النّاس أجمعوا في الطَّلب فإنّه ليس لعبد إلَّا ما كتب له ولن يذهب عبد من الدّنيا حتّى يأتيه ما كتب له من الدّنيا وهي راغمة » . ولا ينفك الإنسان عن الحرص ، إلا بحسن ثقته بتدبير الله تعالى في تقدير أرزاق العباد ، وأن ذلك يحصل لا محالة مع الإجمال في الطلب بل ينبغي أن يعلم أن رزق الله للعبد من حيث لا يحتسب أكثر . قال الله تعالى * ( ومن يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَه مَخْرَجاً ويَرْزُقْه من حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) * « 2 » فإذا انسد عليه باب كان ينتظر الرزق منه ، فلا ينبغي أن يضطرب قلبه لأجله ، وقال صلى الله عليه وسلم [ 4 ] « أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلَّا من حيث لا يحتسب » . وقال سفيان ، اتق الله فما رأيت

--> « 1 » هود : 6 . « 2 » الطلاق : 2 ، 3